المقريزي
433
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
الخان بتغيّر عليه ، فخاف شدّة بأسه ، وأخذ حذره منه ، واستعدّ للفرار عنه ، إلى أن عاقره الخمر في بعض اللّيالي ، فلمّا غلب السّكر على الخان قال له : يا إيدكو ، إنّ لي ولك يوما ، فقال له إيدكو : أعيذ مولانا الخان أن يحقد على عبده ، وأظهر له من الذّلّة والخضوع ما أوجب كفّه عن البطش به ، ثم بعد هدو من الليل استغفل الخان وخرج كأنّه يزيل حاجة في الخلاء ، وأتى إلى الإصطبل السّلطاني ، ولم يزل به دائما فرس مسرج ملجم لما عساه يكون من المهمات السّلطانية ، فركبه وقال لبعض ثقاته : من أرادني فليلحقني عند الأمير تيمور بعد أن أبعد عن هذا المكان . ثم جدّ في السّوق فلم يفطن به الخان حتى قطع مسافة بعيدة ، فبعث في طلبه فلم يدركوه ، ووصل إلى تيمور ، وقبّل يده ، وأخبره بخبره ، وأخذ يغريه بتوقتاميش ويحرّضه على أخذ بلاده ، ويرغّبه في كثرة أمواله ، ويهوّن من أمره ، ويضع من عساكره ، وأنّهم أوباش وأخلاط ، وكانت الدّشت إذ ذاك عامرة بالتّتار ، غاصة بمواشيهم ، قد انتشرت قبائل التّرك بأقطارها ، وهي أرجاء فسيحة ، صحيحة الهواء ، كثيرة الماء ، لا يزال أهلها في رحيل ومسير ، وجميعهم رماة بالسّهام ، ولغتهم أفصح لغات التّرك ، ولنسائهم جمال بارع ، وفيهم رؤساء وأكابر ، وبواطنهم سليمة من المكر والغشّ ، ومسيرهم على العجل ، يجرّونها بالدّواب ، وبلادهم أمينة مع سعتها ، تخرج القافلة من خوارزم فتسير في أمن إلى قيريم التي يقال لها القرم ، ومسيرة ذلك نحو ثلاثة أشهر لا تحمل فيها زادا ولا علفا ولا ماء ، ولا تحتاج إلى خفير لكثرة سكّانها ، ووفور الأمن عندهم ، وخروج المآكل والمشارب عن الحدّ في كثرتها ، لا تنزل القافلة إلا على قبيلة تكرمها وتقوم بضيافتها طول هذه المسافة ، وكانت أولا يقال لها ذشت قبجاق ، والذّشت باللّغة الفارسية : البرّية ، ثم عرفت بدشت بركة ، وهو بركة بن دوشي بن باطو خان بن جنكزخان ، وهو أوّل من أسلم من أولاد جنكز خان ، وكان إسلامه على يد الشيخ شمس الدّين الباخرزي